الشيخ المحمودي
111
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وإرادتهم فإن لم يكن هذا الإدراك سببا لزيادة شكرهم وحسن صنيعهم فإنّه لن يكون موجبا لتضييعهم حقوق اللّه وعبيده . فإن قيل : لا شيء للإنسان حتّى يعده من مفاخره ويعظم في عينه ، ويحسبه في نفسه عظيما ، فالعجب بماذا ؟ فإن كان بلحاظ كونه ذا بسطة في العلم والجسم والقوة والإدراك وما يرتبط بجهات خلقه من النعم الّتي أنعم اللّه عليه بها ابتداء ، من غير سبق عمل للمكلف ، ليتوهم أنّه أنعمها عليه جزاء لعمله ، فلا ينبغي للعاقل أن يعجب بها ، فإنها لم تكن لعظمته واستحقاقه ليتبجح بها ويعدها من مفاخره . وإن كان عجب الشخص لأجل أعماله وما كسبت يداه فالأمر كذلك ، لأنّ الشخص بجميع خصوصياته ومنها علمه الكسبي وقدرته وإرادته ملك للّه ، فبأي شيء يتبختر الإنسان ويزهو ؟ قلنا : كل حيوان - بطبعه الأولي وجبلته غير المنحرفة عن مجراها - يعلم أنّه مختار في أكله وشربه وقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وفراغه وشغله ، ويجد من نفسه أنه إن أتى بشيء مما ذكر ونحوه فإنّه يأتيه بإرادة واختيار ، وإن تركه يتركه اختيارا ، ويفرق بفطرته بين أخذه اللقمة ووضعها بيده في فمه ، وبين ما لو جيء الغذاء في حلقه ، ويميز بين نزوله شخصيا من السطح ، وبين أن يوثق ويرمى به من السطح ، والكل يعرف أنّ الحيوان إذا جيء به إلى شفا نهر فإن أمكنه الوثوب والعبور يثب ويعبر ، وإلّا فلا ، وأنّ الأسد والهرة إذا شاهدا الصيد واللحم فإن لم يريا مزاحما ومدافعا يثبان على الصيد ، وإلّا يفران أو ينتظران انتهاء المزاحمة ، وهكذا جميع الحيوانات ، هذا هو مقتضى الفطرة ، وإنما يعدل عنها لأجل أنّ بطانة الإنسان أو أبويه يشعرانه ويجبرانه أو يفوضانه ، فمهما شكّ في شيء فلا ينبغي الشك في أنّ التحكم بالعمل وتوجيه الاختيار والإرادة بيد الإنسان فعلا وتركا ، والتحكم بالعمل والاختيار في الطاعات يستحق الثواب ، وبصرفهما في المعاصي يستحق الذمّ وعظيم النكال ، فقدرة الإنسان ومبادئ علمه وإرادته وإن كان من اللّه ، إلّا أنّ اختيار الفعل أو الترك والتحكم بالعمل بيد الإنسان ، ولا تنافي بينهما - وإلّا فإن كان التحكم بإرادة المكلف في الفعل والترك وتوجيهها في